الخميس، 18 أغسطس، 2016

رحلة المطر - ٦

Vacation reading - كتب ستسافر معي


الموضوع الأخير في السلسلة وهو موضوع متنوع، الصورة أعلاه هي للكتب التي أخذتها معي على أمل قرائتها هناك في الهند وقد قرأتها إلا ثلاثة، وهذا ملخص سريع عن هذه الكتب.
  • كتاب On Palestine وكذلك Because We Say So كلاهما لتشومسكي، الأول حوار حول فلسطين والأوضاع السياسية هناك والثاني مجموعة مقالات كتبها تشومسكي في الصحف، وكلاهما يستحقان القراءة، تسومسكي لديه نظرة عميقة للقضايا السياسية وأفضل أن أقرأ كتبه على أن أتابع الأخبار كل يوم.
  • كتاب The More of Less، كتاب عن التبسيط، إن قرأت أي كتاب عن تبسيط الحياة ففي الغالب لن تفقد شيئاً بعدم قرائتك لهذا الكتاب، أعجبني أن الكتاب يحوي الكثير من الأمثلة لأناس مارسوا تبسيط الحياة بأساليب مختلفة.
  • رواية Mrs Ali's Road to Happiness، رائعة ... أكثر من رائعة، مكانها بلدة في جنوب الهند، والقصة تدور حول عائلة علي وزوجه، وحول امرأة مسلمة تبنت طفلاً هندوسياً.
  • رواية For one more day، البداية أعجبتني ثم بدأت أشعر بالملل في المنتصف وتمنيت أن الرواية تنتهي بعد ذلك، اقرأ عنها لعلها تعجبك.
  • كتاب Start Something That Matters، الكتاب ملهم حقاً وأنصح بقراءته، شركة الأحذية تومز هي شركة تجارية تسعى للربح لكن بطريقة مختلفة، الشركة تساهم في العمل الخيري وإن كان لدي انتقاد لبعض تفاصيل هذا العمل الخيري، لكن الفكرة العامة رائعة، اشتري الكتاب.
  • كتاب What The Dog Saw، بعض مقالات مالكلوم غلادويل جمعت في هذا الكتاب، بعضها جيد وبعضها ممل، لكن الكاتب نفسه وأسلوب كتابته وعمق بحثه يجعل أي كتاب له يستحق القراءة.
  • كتاب من يعرف جنياً يتلبسني، ليس في الصورة لكن قرأته في الطائرة، مجموعة مقالات لفهد عامر الأحمدي، وهذا أول ما أقرأه له، يستحق القراءة، كتاب ممتع.

آيفون، تطبيقات وألعاب

لدي جهاز آيفون ٦ أس،  استخدمته هناك ككاميرا أكثر مما استخدمته للمكالمات، ووضعت فيه بعض الكتب احتياطاً في حال انتهيت من جميع الكتب التي أحضرتها معي، ووضعت فيه بعض الألعاب كذلك، من ناحية التطبيقات لم أستخدم شيئاً غير المتوفر مع الهاتف وفي الغالب المكالمات والكاميرا، لو كان بإمكاني حذف معظم التطبيقات التي تأتي مع آيفون لفعلت.

كاميرة آيفون رائعة لمعظم الصور التي أردت التقاطها لكن هناك حالات الهاتف لا يساعدني:
  • عندما أريد استخدام التقريب أو Zoom، مهما كان آيفون فهذه الخاصية محدودة بحجم عدسته الصغيرة.
  • التصوير الليلي، بدون تثبيت الجهاز على حامل ثلاثي لا يمكن التقاط صور جيدة.
  • الصور المقربة أو Macro، هناك حد لما يمكن للهاتف فعله عند محاولة التقاط هذا النوع من الصور.
هذه النقاط هي ما أقنعتني أن كاميرا كبيرة ستكون أفضل للتصوير إن كان هذا ما أريده، أياً كان آيفون فهو لن ينافس كاميرات بحجم أكبر.

أما الألعاب فهذه الألعاب التي جربتها بناء على نصائح البعض في تويتر:
  • لعبة Monument Valley، رائعة رائعة رائعة ....  بل أكثر من ذلك، هذه اللعبة أقنعتني أن ألعاب الهاتف يمكن أن تكون ممتعة، قبل ذلك كنت لا أهتم بألعاب الهاتف النقال بأي شكل، هي لعبة فنية جميلة حقاً، متوفرة على أجهزة مختلفة، أشترها الآن.
  • Abandoned، لعبة مألوفة من ناحية طريقة اللعب، الفكرة هي أن تهرب من هذا العالم الذي أنت فيه بطريقة ما، هي ألعاب بدأت منذ وقت طويل واشتهرت لفترة في السنوات الماضية عندما كانت ألعاب فلاش تسيطر على ألعاب الويب، المشكلة في هذه اللعبة أن أسلوب التحكم الخاص بها يناسب الحاسوب والفأرة، عند نقلها إلى آيفون تصبح صعبة بعض الشيء، ومن ناحية أخرى لم تعجبني كثيراً.
  • King of Math، لا بأس بها لتمضية بعض الوقت عندما تنتظر شيئاً ما، لكن لم تعجبني كثيراً.
  • Device 6، لم أفهم هذه اللعبة، هذا كل ما لدي!
  • Lifeline، اللعبة أعتبرها من الأدب التفاعلي، تقرأ نصاً ويكون لديك خيارين، وهكذا تتفرع القصة إلى فروع مختلفة وكل فرع له نهاية مختلفة، في البداية أعجبتني اللعبة بعد ذلك أصبحت مملة.

 رحلة العودة

الطائرة التي ستذهب بي إلى أبوظبي كان موعد إقلاعها بعد الإفطار بساعة تقريباً، لذلك إفطاري سيكون في المطار وتذكرت أنني لا أملك روبية هندية واحدة! داوود ينظم كل شيء لذلك لم أحتج أن أحمل معي شيئاً من نقودهم، لكن داوود أعطاني ألف روبية للإفطار هناك وهو مبلغ كبير، الهند ما زالت بلد رخيص التكلفة على المسافرين، على أي حال، داوود اتصل بي مرتين وأنا في مطار مانغلور لكي يذكرني بأن هناك مقهى قبل بوابة الطائرة.

رأيت المقهى وانتظرت وقت الأذان، وقبل الأذان بدقيقة جاء رجل إلي ومعه كيس تمر، لا أحد منا يتحدث لغة الآخر لكن لا حاجة لأي لغة، كلانا يفهم ما يريده الآخر، وأعترف بأنني لأول مرة أشعر بسعادة كبيرة لأن شخصاً ما أعطاني شيئاً، أخذت تمرتين وشكرته، ذهبت إلى المقهى وطلبت عبوة ماء وكوب قهوة وكان هذا إفطاري.

Coffee for Iftar
كوب قهوة بعد أيام بدون أي قهوة

أعجتني القهوة فعدت لطلب كوب آخر، المقهى هو فرع لسلسلة مقاهي تابعة لشركة هندية، الهند تنتج القهوة وتصدرها لكن شربها أمر نادر، وهذا الأمر يتغير الآن بظهور شركات هندية تصنع القهوة وتفتح المقاهي، وأسعدني أنها شركات هندية، لا أود رؤية ستاربكس هناك.

في مطار أبوظبي وقبل خروجي من المطار توقفت عن مقهى لأنني أريد كوباً ثالث! كان هناك عامل واحد فقط وكان يعمل بأسرع ما يمكنه، المسكين يعاني من الضغط فسألته إن كان هناك أحد معه فأجاب بأنه الآن لوحده، كان هناك رجل مصري بجانبي فقلت له "المسكين زحمه عليه!" فوافقني وهو يحاول أن يهدأ طفله الذي كان يلح عليه بالأسئلة، طلب كوب قهوة وطلبت أنا كوباً آخر ولأنني أردت اختصار الوقت على العامل في المقهى أعطيته مبلغاً وقلت له أن يحسب الكوبين مرة واحدة، قائلاً للأخ المصري "على حسابي" فرفض إلا أن تكون القهوة على حسابه هو، لم أناقشه كثيراً "طيب، شكراً وبارك الله فيك" أخذت القهوة وخرجت من المطار إلى الجو الرطب والحار لأبوظبي، أسعدني كوب القهوة هذا.

الاثنين، 15 أغسطس، 2016

رحلة المطر - ٥

موضوع اليوم صور فقط، وصور بالأبيض والأسود فقط، لأنني أحب هذا النوع من الصور، وقد التقطت مجموعة منها هناك.

Old man


هذا الرجل كان يقودنا نحو قمة جبل وعلى جانب منه واد سحيق، الرجل راع للبقر والصورة هذه أراها أفضل صورة التقطتها في الرحلة.

Take my photo! - صورني


الرجل على يمين الصورة كان فضولياً، كان يحاول النظر في شاشة هاتفي مرة بعد مرة ويرى ما ألتقطته من صور، إلى أن أشار إلى نفسه يخبرني انه يريد مني أن أصوره، عرضت عليه الصورة وكان سعيداً بها.

IMG_2300


ما الذي يحدث عندما تصور ما خلفك بدلاً من تصوير ما هو أمامك؟ في هذه الحالة جمهور من الناس! كنا أمام محل قهوة وشاي وبهارات، صورت المحل ثم صورتهم، المكان في وسط منطقة مزارع شاي وقهوة، رأيت الهال بني اللون وأخبروني أن الأخضر يعني انه غير ناضج بعد، هل هذا صحيح؟

Fish Market - سوق السمك


في سوق السمك، بعد أن كنا في مانغلور وهي مدينة ساحلية، عدنا إلى بيت داوود وفي الطريق توقفنا عند سوق للسمك، الرائحة مألوفة والمكان يبدو مألوفاً، لأن أسواق السمك لا تختلف كثيراً في مناطق كثيرة من العالم، هي أسواق شعبية وأتمنى ألا يأتي اليوم الذي تختفي فيه هذه الأسواق.

داوود اشترى ما يكفي من الأسماك والروبيان الذي كان وجبة رائعة في مساء ذلك اليوم، إلى الآن أستطيع الشعور بطعمه! وأنا الآن جائع!

fruit vendor


بعد تحديد مكان مسجد واتجاه قبلته ذهبنا إلى مانغلور للتسوق ومررنا على محل الفواكه هذا وغيره لكي نبحث عن ثمار الأفوكادو، للأسف لم نجد شيئاً منها، داوود يصنع عصيراً الأفوكادو ويخلط معه شيء من المانجا، جربه.

Mango vendor - بائع المانجو


بائع المانجا في بيلتنغادي، يبيع من شاحنة صغيرة ويجمع هذه الثمار من مزارع تحيط ببلدة بيلتنجادي.

السبت، 13 أغسطس، 2016

رحلة المطر - ٤

Tata Nano
تاتا نانو .. صغيرة من الخارج، كبيرة من الداخل

السيارات بدأت كمنتجات فخمة لا يمكن إلا لأغنى الأغنياء شرائها، لكن المنافسة بين شركات كثيرة أجبرهم على تخفيض أسعار منتجاتهم، لكن بقيت السيارات منتجات غالية السعر، لكن هناك دائماً من فكر بصنع سيارة رخيصة شعبية موجهة لعامة الناس والأمثلة كثيرة، فولسفاجن بيتل من ألمانيا، ستروين 2CV من فرنسا، ميني من بريطانيا وهذه مجرد أمثلة، وأحدث المحاولات تأتي من الهند، تاتا نانو إحدى أرخص السيارات التي تصنع اليوم إن لم تكن الأرخص، ولكي تدرك كم هي رخيصة تصور أنك ستشتري حاسوباً محمولاً من أبل بمواصفات جيدة، سيكلفك هذا الحاسوب ما يقرب من ألفي دولار أو أكثر، وهذا هو تقريباً سعر تاتا نانو.

Tata Nano
واسعة من الداخل وتكفي ٤ أشخاص كبار

منذ أن وصلت إلى الهند وأنا أود أن أركب هذه السيارة وأرى كيف هي من الداخل، وقد حدث ذلك في عصر أحد الأيام، داوود خرج للتسوق فكانت فرصة، السيارة تبدو رخيصة من الداخل لكن الجودة أعلى مما توقعت، المكيف بارد والسيارة هادئة ومريحة، لكن هذه تجربة داخل مدينة وكنا نسير ببطء، الأمر قد يختلف في طريق عام.

مررنا ببيوت ومزارع ثم وصلنا إلى السوق وتوقفنا عند بائع المانجو، أخبرتهم أنني أريد واحدة لكن لدي ذوق مختلف، أحب المانجو أخضراً وحامض الطعم، هم لا يحبونه هكذا لكنهم اشتروا واحدة كبيرة لي وقد كانت كما أردت، ثم ذهبنا إلى بائع الخضار والفواكه واشتروا المزيد من منتجات المزارع، ثم اشتروا دجاجة حية لتكون عشاء اليوم التالي.

Mango
وردة المانجو الحامضة! لم يأكل منها إلا أنا ومحمد ابن داوود
Mango vendor - بائع المانجو
بائع المانجو
chicken in a bag!
دجاجة في كيس!

أنا معجب بهذه السيارة، عملية ورخيصة وأعطت كثيراً من الأسر الهندية فرصة لامتلاك سيارة بينما كان هذا حلماً صعب المنال، هذا له أثر إيجابي على الأفراد لكن ما أثر ذلك على المجتمع والبيئة؟

الخميس، 11 أغسطس، 2016

رحلة المطر - ٣

تحديد اتجاه القبلة
تحديد اتجاه القبلة


كنت أفكر بهذا الموضوع منذ أول يوم لي في الهند، هل أكتبه أم لا؟ كنت متردداً حتى سألت داوود فألح علي بأن أكتبه لعل وعسى أن يكون له أثر.

قبل سفري بيومين أخبرت داوود عن نيتي بأنني أريد بناء مسجد أو مسجدين في الهند، من مالي وأنا أتكفل بكل شيء، فأخبرني أنه في ذلك اليوم تلقى مكالمة من أناس يريدون مسجداً في منطقة ليس فيها أي مسجد، المسلمون هناك يعتمدون على المكالمات الهاتفية لكي يعرفوا وقت الإفطار والسحور ويجتمعون في بيوت بعضهم البعض للصلاة، فقلت لنبني مسجداً هناك، وسألت عن التكلفة فتبين أنها تكلفة يمكنني تحملها ويمكنني كذلك بناء مسجد آخر، وهناك منطقة أخرى يحتاج فيها الناس لمسجد.

في الهند وفي يوم محدد زرنا المكانين، الأول بعيد عن بيت داوود ويحتاج ساعة ونصف تقريباً للوصول له، لم يكن يبتعد كثيراً عن مطار مانغلور، منطقة سكنية ليس فيها مسجد منذ أربعين عاماً، سرنا حتى دخلنا ساحة منزل وأخبروني أن البيت سيبنى على جانب من هذه الأرض، مالك الأرض تبرع بجزء منها وهو بذلك يحقق أمنية ووصية أبيه رحمه الله الذي كان يتمنى أن يبنى مسجد في أرض منزله.

كنا ننتظر قدوم شيخ وإمام يعرفه الناس ويقدرونه، الرجل لديه خبرة في تحديد اتجاه القبلة، وقد ظننت أن الوسائل التي ستستخدم بسيطة لكن الرجل جاء مع جهاز تحديد أماكن GPS وآلة حاسبة وهاتف ذكي بتطبيقات لتحديد الأماكن ودفتر لكتابة الحسابات وأخذ الأمر وقتاً لإجراء الحسابات والتأكد من المكان وارتفاعه وموقعه من خطوط العرض والطول، ثم تحديد اتجاه القبلة من خلال بوصلة يدوية ورقمية في الهاتف الذكي، ثم جاء دور بعض الأدوات، هناك شيء يشبه المنقلة خضراء اللون كما ترى في الصورة وفوقها توضع بوصلة كبيرة توضع على عدة نقاط لتشكيل خط مستقيم يشير إلى القبلة ثم يربط خيط قوي في المكان بين هذه النقاط لكي يبدأ البناء لاحقاً وهو يشير إلى القبلة.

أخذت العملية ما يقرب من ساعة، ثم اتجه الشيخ إلى مكان آخر ليفعل نفس الشيء، بينما أنا وداوود ذهبنا ألى مدينة مانغلور.

أحد المسجدين سيكون باسمي، والثاني سيكون باسم عمتي صنعاء رحمها الله، وتكلفة المسجد الواحد لا تزيد عن ١٣٠ ألف درهم، من أين لي هذا المال؟ هو مال ورثته وإلا فكيف لشخص مثلي أن يحصل على مبلغ مثل هذا؟ وهي فرصة وكان علي استغلالها، لا أود أن أرحل عن الدنيا دون أن أترك أثراً ولو كان صغيراً.

قد يسأل شخص: لماذا الهند؟ والجواب بسيط: لأنني أستطيع فعل ذلك بسهولة ولأن التكلفة بسيطة يمكن تحملها، المبلغ الذي أنفقته في المسجدين لن يكفي لمسجد واحد في دول أخرى، ولأنني أعرف كيف أفعل ذلك، لكي أقدم مساعدة لدول أخرى علي أن أبحث وأسأل أو أرسل المال لجهة خيرية لا أدري كيف ستنفق المال.

من ناحية أخرى، أشعر بأن علي التوجه للدول العربية، القريب أولى بالمساعدة من البعيد، لكن أنا لا أعرف كيف أساعد القريب، لكن هذا سيتغير بإذن الله، بالبحث والسؤال سأرى ما الذي يمكن لشخص مثلي فعله، وإن استطعت فعل شيء فلن أبخل بما لدي من مال أو وقت.

الجمعة، 5 أغسطس، 2016

رحلة المطر - ٢

IMG_2168
عند محطة الوقود، الأسعار هناك غالية والأغلبية يعتمدون على الديزل
دعني أخبرك عني قليلاً: أنا شخص ممل! أحب الأشياء البسيطة ويرضيني القليل والبسيط، جلسة في جو جميل مع كوب شاي وكتاب تكفيني لأكون سعيداً، لا مشكلة لدي إن كانت أيامي متشابهة بل أفضل ذلك وبين حين وآخر أريد التغيير الذي لا يتعدى نطاق خروجي من المنزل لشرب كوب قهوة في مقهى ما، ببساطة: أحب الحياة البسيطة الهادئة والمملة لأكثر الناس.

في الهند كانت الخطة أن أبقى ما يقرب من عشرين يوماً دون فعل الكثير، سأقضي معظم أيامي في بيت داوود أقرأ الكتب وأصوم وأفطر وتمضي الأيام دون فعل أي شيء تقريباً، وقد كانت بعض الأيام تسير على هذا الخط وكنت في كل يوم أقرأ كتاباً وأحياناً كتاب ونصف، ألتقط بعض الصور، أكتب بعض الملاحظات ويمضي اليوم بلا تعب ولا شيء مثير، ألم أقل لك أنني شخص ممل؟!

من ناحية أخرى، أنا في الهند وفي موسم المطر ومن الخسارة ألا أخرج لأرى الطبيعة، الصوم هناك وفي ذلك الوقت لم يكن متعباً، لا يوجد شعور بالتعب في هذا الجو الجميل، لذلك لم لا نخرج؟ وقد فعلنا ذلك مرات عديدة وفي كل يوم يحدث ذلك لا أستطيع إنجاز قراءة نصف كتاب فضلاً عن كتاب كامل، لأننا نخرج في الصباح الباكر وأحمل معي كتاباً، لكن السفر بالسيارة لا يترك لي مجالاً للقراءة فأعود دون أن أفتح الكتاب ولو مرة، وفي منزل داوود أكون متعباً فأقرأ صفحات قليلة قبل النوم.

داوود وعدني أن أزور منطقة جبلية بعيدة، وهي منطقة أعرفها جيداً أو على الأقل أعرف جزء منها لأنني في كل رحلة أقطع هذا الطريق الجبلي الذي أحبه وأكرهه في نفس الوقت، طريق جميل متعرج بين غابات كثيفة وأشجار ضخمة لا شك لدي أنها عاشت لعقود وربما بعضها عاش لقرن أو أكثر، مشكلته التعرج الذي يجعلني أشعر بالدوار والصداع، نسير إلى اليمين ثم إلى اليسار ثم عودة إلى اليمين وهكذا صعوداً، تسير السيارة بسرعة ثم تخفف السرعة ثم تسرع مرة أخرى والطريق لا يخلو من الحفر والمطبات.

ما إن ينتهي الطريق المتعرج ويصل إلى حافة الجبل الشرقية حتى يلتف حول الجبل ويسير نحو الغرب في طريق طويل لكن على الأقل لا يرتفع أو ينزل ولا يتعرج كثيراً، في منتصف الطريق هناك معبد هندوسي صغير وبقالة ومطعم صغير يقف عنده الناس طلباً للراحة، وليس مستغرباً أن ترى في هذا الطريق أناس يتوقفون في أي مكان ليخرج شخص من السيارة ويتقيأ! أعتذر عن ذكر مثل هذه التفاصيل، لكن من الضروري أن تفهم معاناة الجميع أو على الأقل البعض منا.

في هذا الطريق خلف الجبل هناك واد على اليمين ومنظر يمتد على مد البصر لجبال ووديان، في موسم المطر هذا المنظر يغطيه السحاب في أغلب الوقت، على يسار الطريق هناك الجبل نفسه بأشجاره وصخوره وشلالته التي تقطع الطريق وصمم لها الناس جسوراً ليعبر الماء تحتها، توقفنا هنا للراحة والتقاط الصور وهو أمر نفعله في كل رحلة، أياً كانت السيارة فهي صندوق معدني يقف بيننا وبين الطبيعة الجميلة، لذلك نخرج ونأخذ وقتنا في تأمل هذا المكان الجميل.

التقطنا الصور، تحدثنا عن الشجر والنباتات والمطر والوديان وعن الناس الذين يعيشون في هذه الوديان بعيداً عن أي مدينة وفي أماكن يصعب الوصول لها، مشينا نحو بعض الشلالات الصغيرة والتقطنا المزيد من الصور، ثم ركبنا السيارة؛ أمامنا طريق طويل، سرنا حتى وصلنا لسهل كبير منبسط، على جانبي الطريق هناك مزارع كثيرة، مزارع الأرز ومزارع الورود وأشجار الزينة، مزارع أشجار الثمار التي يزورها الناس ليشتروا هذه الأشجار لمنازلهم، تجاوزنا هذه المزارع لنصل إلى نقطة تقاطع بين الطرق وفي كل مرة نصل هنا في الرحلات السابقة كنا نأخذ الطريق الأيمن أو نكمل السير لكن هذه المرة أخذنا الطريق الأيسر.

بعد قرى صغيرة بدأت أرى مزارع الشاي والقهوة، منطقة واسعة أخبروني أنها ملك لعائلة واحدة وهم يسمحون للجميع بالمرور والتجول هنا، نحن نريد أن نذهب هناك لكي نصعد إلى الجبل الذي سرنا في طريقه على الجانب الآخر قبل ساعتين تقريباً، وصلنا إلى طريق صعب ولا يمكن للسيارات أن تذهب بنا أبعد من هذه النقطة، نزلنا وكان أمامنا خياران، الأول قصير وصعب ويحتاج شيئاً من الرشاقة التي أفتقدها! والثاني طويل وأسهل قليلاً، اخترنا جميعا الخيار السهل واختار دليلنا وهو راع للبقر - ليس أمريكي! - أن يسير في الطريق الصعب مع أنه رجل كبير في السن، لكنه مضى ببطء يتكأ على عصاه ويحتمي من المطر والبرد بغطاء صنعه بنفسه.

مشينا في طريق ضيق وعلى جانب منه واد سحيق لو سقط فيه أحدنا سيكون هذا أول وآخر طيران له، الريح تعصف من جانب الوادي لتصعد بقوة ثم تدور فوق الجبل فتحرك المطر كما تشاء، كانت المضلات عديمة الفائدة هنا مع أنها وفرت شيء من الحماية ضد المطر، وصلنا لمنطقة لا أشجار فيها وتطل على الوادي، يمكننا من هنا رؤية غابات ومزارع على مد البصر، هذا إن سمح لنا السحاب الذي كان يغطي كل شيء أسفلنا، لكن مع الانتظار بدأ يكشف عن المنظر الجميل، غطاء أخضر لا نهاية له، الجو بارد وممطر والكل من حولي يشتكون البرد إلا أنا وداوود، كلانا لم يكتفي بعد من البرد.

كنت مع مجموعة من الشباب الذين يعرفون داوود وأبناءه وخبر الرحلة وصلهم فقرروا اللحاق بنا، كانوا يلتقطون الصور بهواتفهم وكاميراتهم، وبعضهم يتجرأ على أن يسير نحو حافة الجبل لكي يلتقط أفضل صورة ممكنة، تحدثت عن "السليفي" المميت وكيف أن عليهم الحذر لكي لا يصبحوا أمثلة أخرى لقائمة تكبر لحوادث راح ضحيتها أناس أرادوا التقاط صورة لأنفسهم في أماكن خطرة.

IMG_2216

كان هناك أناس آخرون في الجبل لكن على الجانب الآخر منه، نسمع أصواتهم، والشباب معنا لديهم من الحماس ما يكفي للصراخ كالذئاب! فترد المجموعة الاخرى بنفس الأصوات، ويتكرر الأمر طوال مدة بقائنا فوق الجبل، يمزحون بدفع بعضهم البعض نحو الحافة، وردة فعلي لا تزيد عن قولي "أووي" وأخبرهم بأن عليهم الحذر، لكن لم اكن غاضباً أو متضايقاً، كنت مثلهم في الماضي.

بدأت ألاحظ ضحكهم العالي ومحاولة بعضهم التخلص من حشرة ما تتسلق على سيقانهم، لكن تبين أن الحشرة هي دودة من نوع العلقيات، وهي ديدان طفيلية تمتص دماء الناس والحيوانات، ويمكنها أن تثبت نفسها بقوة على جسم أي مخلوق، هي ليست مضرة كما أخبرني داوود وتستخدم في العلاج وهذا أمر أعرفه، رأيت مرة برنامجاً وثائقياً عن شخص قطعته قدمه فأجريت له عملية جراحية لتركيب القدم، لكن الدماء لم تسر نحو القدم فكان حل الأطباء هو استخدام هذه الديدان على باطن قدمه لتمتص الدم وتجبره على الحركة نحو القدم ونجحت الفكرة، لكن عدم ضرر هذه الديدان أمر أشك فيه، ربما بعضها يكون مضراً وأياً كان فهي مثيرة للاشمئزاز حقاً.

بقينا هناك فترة كافية لتغطينا الأمطار التي كانت تأتينا من كل جهة وقررنا العودة بعد التقاط ما يكفي من الصور، لكن الشباب أرادوا البقاء العودة لالتقاط المزيد من الصور! جلست في السيارة أنتظر وأحاول بلا فائدة أن أجفف نفسي بلا فائدة، بدأت ألاحظ أن هناك شيء ما على قدمي، حاولت تحريكه فلم يتحرك، فتحت الباب ووضعت رجلي في الخارج لأرى دودة طفيلية تعلقت على ظهر قدمي وبدأت وجبة الغداء! كانت ملتصقة بقوة، وضعت أصبعي أسفل بطنها وبدأت أجرها فلم تخرج، ملمسها يبدو كالمطاط اللزج، حاولت مرة أخرى بقوة أكبر فخرجت وبدأت تتحرك في كل ناحية لتثبت نفسها مرة أخرى على أي مكان في جسمي، رميتها وبدأت ألاحظ الدم الذي يخرج من الجرح، احتجت عشر دقائق لكي أوقفه، أخبرني داوود أن بعض الناس يتركونها لأنها عندما تشبع تسقط بنفسها ولا تترك جرحاً خلفها.

ركب الجميع السيارات وعدنا من حيث أتينا، توقفنا عند مجموعة محلات صغيرة لنتشري القهوة والشاي، اشتريت كيسي قهوة لأخي وكيس شاي لنفسي، داوود اشترى بعض البهارات والقهوة من هناك، وكل هذا من إنتاج المزارع من حولنا، أكملنا السير نحو واد آخر تغطيه مزارع الشاي، المزارع كبيرة وفي وسطها قرية صغيرة يسكنها العمال وعوائلهم، هؤلاء العمال يدورون حول المزارع وفي كل يوم يختارون جهة ليقطفوا أوراق الشاي ويدورون في دائرة كبيرة لا تنتهي، الجو هادئ وبارد وجميل حقاً، هذا مكان مثالي لكي يتوقف المرء قليلاً ويشرب كوب شاي بهدوء.

مزارع الشاي

بدأ وقت صلاة العصر يقترب ونحن لم نصلي الظهر بعد، لذلك في الطريق العودة توقفنا عند مسجد وصلينا الظهر والعصر جمعاً وقصراً، المسجد يبدو قديماً وصغيراً ولا يختلف كثيراً عن مساجد أخرى، أطفال الإمام لاحظوا وجودنا فأخبروه وجاء ليرحب بنا ويطلب المساعدة، وهذا حال كل المساجد، الكل يريد توسعة للمسجد أو سجاداً جديداً أو مكاناً للوضوء، أعتذرنا له لأننا نعرف أماكن أخرى لها أولوية، بعض المناطق ليس فيها مسجد وهذه أولى من غيرها.

طال الطريق علينا فتوقفنا عند محطة وقود وفيها مقهى حديث، كان هذا في رمضان لذلك لم نشرب القهوة من عندهم، أن ترى مقهى حديث في منطقة نائية مثل هذه يعني أن الهند وصلها هوس القهوة! مع أن الهند إحدى أكبر منتجي القهوة إلا أن شرب القهوة ليس من عاداتهم، لكن هذا الأمر يتغير الآن بظهور شركات هندية تصنع القهوة بأحدث الآلات.

سرنا ثم توقفنا مرة أخرى في طريق غير ممهد وعلى جانبيه مزارع واسعة، التقطنا الصور ومشينا قليلاً ثم أكملنا السير نحو منزل داوود، كان يوماً رائعاً متعباً وبارداً، في منزل داوود كان رأسي يدور وأشعر بأنني ما زلت في السيارة، شعورني يذكرني بأيام البحر، عندما أخرج للبحر مع أبي رحمه الله كانت أشعر بالبحر وأنا في المنزل ليوم أو يومين.

 

رحلة أخرى

ابن داوود أخبرني مرة أن هناك شلال قريب يستحق أن أراه ويمكننا الخروج لرؤيته في أي يوم، وافقت دون أن أفكر بأن كلمة "قريب" لها معنى مختلف تماماً في عقلي عن المعنى الذي يقصدونه، قريب هو مكان لا يبعد سوى عشر دقائق بالسيارة ولا يحتاج للكثير من الجهد للوصول له، هذا هو تعريفي له وهو تعريف خاطئ جداً في هذه الحالة، قريب كان له معنى مختلف وسأندم على عدم فهمي له!

كنا في جلسة هادئة في شرفة أحب الجلوس فيها للقراءة كل صباح وفي كل عصر، وقد كان الوقت عصر يوم ما هناك وكانوا يتحدثون عن أمور مختلفة، فتذكرت الشلال "القريب" وأخبرت داوود عنه، سأل هو بدوره ما الذي يقصدونه فأخبروه، ثم حدثني أن المكان جميل ويستحق الزيارة، بعد مكالمة هاتفية أخبرني أننا سنذهب في الغد صباحاً، وافقت وبدأت هنا أدرك أن قريب أصبحت بعيد لكنني لم أدرك كم هو بعيد بعد!

 وكعادة الهنود لم يكن بالإمكان أن نذهب مباشرة إلى الشلال، بل علينا أولاً الذهاب إلى السوق لأمر سريع ثم زيارة بيت شخص ما، وتبين أن هذا الشخص هو رجل الأفاعي الذي حدثوني عنه كثيراً في الماضي، رجل هوايته تربية الأفاعي ومخلوقات أخرى، خرج من منزله ورحب بنا، يبدو لي أنه في الخامسة والأربعين من العمر، رأس بنصف صلعة وهذا أمر مشترك بيني وبينه، يضع حلقة في أذنه وأحد أصابع يده اليمنى مشوه ويبدو أنه غير قادر على تحريكه، نتيجة عضة أفعى سامة كما أخبرنى، على دراجته النارية هناك ملصق يقول "Snake Joy" وعلى سيارته ملصق آخر يقول بما معناه "الأفاعي ليست سامة كالناس" وفي خارج بيته يربي طيوراً صغيرة وفئران بيضاء.

دخل لمنزله وعاد بصندوق خشبي أخضر كبير، هناك أفعى من نوع الكوبرا في الصندوق، الكل حولي تراجع خطوتين وتراجعت أنا أربع خطوات، فتح باب الصندوق وكان هناك أفعى بنية اللون ملتفة على نفسها ولا تود الخروج، أجبرها على الخروج، بدأت الكاميرات في العمل لأن هذا منظر نادر، يصعب على أحدنا أن يرى مثل هذه الأفعى إلا في التلفاز، وحقيقة أنها يمكن أن تقتل أحدنا في دقائق زادت من حماسة البعض!

أفعى

بعد دقائق أعادها للصندوق، أغلق بابها الكبير وفتح باباً صغيراً ووجها نحوه، رأت الظلام فدخلت وأغلق خلفها الباب الصغير، سيعيدها إلى الطبيعة في وقت لاحق كما أخبرنا، هو لا ياخذ الأفاعي الكبيرة إلا عندما تعيش في مناطق قريبة من الناس، يقول بأنه ينقذ الأفاعي من الناس ليحميها ويجعلها تعيش بأمان في مناطق أخرى.

سألت داوود إن كان الرجل متزوجاً، فأخبرني أنه تزوج لكن الزوجة خرجت ولم تعد، لم تتحمل العيش بين الأفاعي ومن يلومها؟ لكن الرجل عشقه الأول هي هذه الأفاعي.



عدنا إلى الطريق ونحو الشلال القريب البعيد، الطريق بدأ يصبح مألوفاً لدي الآن، حتى وصلنا إلى نقطة وسرنا نحو اليسار ومن هنا الطريق جديد علي، تركنا المناطق السكنية خلفنا ودخلنا في غابة كبيرة، الأشجار العالية تغطي الطريق ولا يقطعها سوى قرى صغيرة هنا وهناك، وقفنا عند جسر يمر فوق نهر صغير، أخبروني بأن الهدف هو الوصول لنقطة ما من هذا النهر، عند شلال ينزل من الجبال القريبة.

الطريق المعبد بعد مسافة طويلة انتهى وعلينا الآن قطع النهر لم يكن بإمكاننا فعل ذلك بسياراتنا لذلك جاء شخص ما بسيرة تشبه الجيب لكنها هندية الصنع، ركب الجميع السيارة وخضنا النهر والماء وصل إلى منتصف السيارة ودخل ضيفاً علينا، سرنا مسافة وكان علينا قطع نهر آخر، بعد مسافة توقف الجيب لأنه لم يعد بالإمكان السير أكثر، علينا الآن المشي.

كانوا يحاولون حمايتي من المطر وأنا أحاول أن أخبرهم بأنه ليس عليهم فعل ذلك لكن بلا فائدة، من الواضح أن ملابسي غير مناسبة لهذا المكان لكن ليس هذا وقت الندم، سرنا في غابة وليس هناك بقعة لم يصلها المطر، الأرض طينية والطريق ضيق وعلينا قطع نهر آخر مشياً فوق الصخور، بدأت أسمع صوت الشلال وأنا متعب من الطريق الصاعد، كنت أحدث نفسي "ليش تكلمت؟! كان لازم يعني تذكرهم بالشلال؟!" وكنت نادماً حقاً على تذكيري لهم بموضوع الشلال.

وصلنا إلى الشلال وبدأنا المعتاد، التقاط الصور والشباب يلعبون ويصنعون حركات بأيديهم لتصويرهم وكأنهم ممثلون في أفلام هندية، الشلال صاخب والماء ينزل بعنف، والجميع يريد من الجميع التقاط الصور، شخص ما خاض النهر ليذهب إلى الطرف الآخر من النهر ثم يصعد ليقترب أكثر من الشلال، أنا اكتفيت بالتأمل والوقوف في مكان آمن، المكان يستحق التعب.

الأحد، 17 يوليو، 2016

رحلة المطر - ١

في الطائرة ننتظر
في الطائرة أنتظر بدء الرحلة

آخر رحلة للهند كانت قبل أربع سنوات، وكنت أود السفر إلى الهند مرة أخرى لكن في موسم المطر، وأود كذلك أن أنقطع عن الشبكة أياماً وأعني هنا انقطاع تام، بعيداً عن الحاسوب وبعيداً عن هواتف الآخرين، أردت كذلك قراءة الكتب لأنني لا أقرأ بوجود الشبكة والحاسوب، هي رحلة لأهداف مختلفة ومن بينها بناء مسجد أو مسجدين إن استطعت.

لذلك خططت لها قبل ستة أشهر، حجزت التذاكر مبكراً في شهر ديسمبر الماضي ولهذا كانت التذاكر رخيصة ولو اشتريتها قبل موعد السفر بأسبوع لاضطررت لإنفاق آلاف الدراهم فوق سعر التذاكر، ويزعجني أن شركات الطيران ليس لديها نظام مرن، أود السفر في وقت محدد لكن العودة لا أود تحديدها حتى أختار متى أعود في أي وقت يناسبني، لكن يبدو أن شركات الطيران لا تريد تقديم مثل هذه الخاصية التي كانت تقدمها من قبل للمسافرين.

وقت الرحلة سيكون في منتصف رمضان وهو في هذا العام بداية موسم المطر في الهند، كان داوود يتصل كل يوم بأهله ليسأل عن المطر، والخبر أن المطر لا ينزل كثيراً كالمعتاد في هذا الموسم، وفي نفس الوقت كان داوود يعد نفسه للعودة، وأي هندي يعود إلى بلاده يجب أن يستغل هذه الفرصة لحمل أكبر قدر ممكن من الأشياء إلى الهند، هذا شيء رأيته في كل الهنود الذين أعرفهم، بل بعضهم يحمل متاعاً لآخرين، كان داوود يسألني عن وزن حقيبتي قبل أسبوع من السفر وأنا لا أجهز حقيبتي إلا في يوم السفر، لكن لا أحمل الكثير معي، الحقيبة صغيرة وأكثرها ملابس وبعض الكتب، وأعطيت داوود كتباً أخرى ليحملها معه إذ لم تكفي حقيبتي لكل ما أريد قراءته.

اختيار الكتب قبل السفر متعة لا مثيل لها، لا أدري ما الذي يحدث في عقلي عندما أبدأ في اختيار الكتب، يكون معي كوب شاي وهذه علامة أكيدة على أنني أستمتع بما أفعل أكثر من اللازم! ثم أبحث عن الكتب في المكتبة وأختار ما أرى أنه كتاب مناسب للسفر، الكتب التي أقرأها في السفر يجب ألا تكون علمية جافة أو تقنية، حاولت قرائتها في الماضي ولم أفلح، لذلك أفضل الروايات وكتب التاريخ والكتب غير العلمية بشكل عام، وقد اخترت عدد الكتب على أساس أنني سأقرأ واحداً كل يومين، واخترت كتاباً عربياً واحداً لأقرأه في الطائرة، اختياري لكتب إنجليزية أساسه أنني سأترك هذه الكتب هناك ليقرأها آخرون.

على حماسي للسفر؛ هناك جزء مني لا يرغب في السفر بأي شكل، جزء يتمنى أن يحدث شيء في المطار أو الطائرة لكي يعود إلى المنزل المريح، لكن لم يحدث أي شيء، مطار أبوظبي كعادته سريع الإجراءات ووصلنا إلى بوابة الطائرة دون التوقف للتسوق أو أي شيء آخر، ما إن وصلنا إلى هناك حتى ركبنا الحافلة للوصول إلى الطائرة.

شركة الطيران الهندية جيت (Jet Airways) تحاول أن تكون مختلفة عن الشركات الأخرى، وقد جربت شركات طيران هندية أخرى سابقاً ولم يكن السفر معهم تجربة جيدة، لكن مع جيت وجدت مستوى من الخدمة لا يختلف كثيراً عن شركات الطيران المعروفة بخدمتها الجيدة، ولذلك أنوي السفر معهم في أي فرصة ممكنة.

حجزت تذاكر في درجة رجال الأعمال، وأنا أفعل ذلك دائماً الآن لسببين، الأول المساحة المتوفرة والثاني الابتعاد عن الأطفال! والسببين في رأيي يبرران السعر المرتفع للتذاكر، وقد كانت الرحلة هادئة وكان لدي ما يكفي من المساحة لأتحرك براحة، قلتها سابقاً وأكرر: أكره الطائرات، أعلى من اللازم، أسرع من اللازم ومزعجة، لذلك أبحث عن أي وسيلة راحة لكي أقضي وقت الرحلة دون منغصات بقدر الإمكان.

بدأت الطائرة بالتحليق في الساعة الواحدة تقريباً ومدة الرحلة ستكون ثلاث ساعات ونصف، السفر في الليل له ميزتان، الأولى رؤية إضاءة المدن من ارتفاع عال، منظر رائع ولا أمل منه، الثاني إمكانية النوم مع أنني بالكاد أستطيع النوم في الطائرة، لكن معظم الركاب يفعلون، قضيت وقتي أقرأ كتاب من يعرف جنياً يتلبسني، كتاب خفيف ومناسب جداً لمن يسافر، مقالات جمعت في كتاب، وأي كتاب من هذا النوع سيكون مناسباً للسفر.

تناولنا السحور في الطائرة لكن قررت أنني لن أصوم ذلك اليوم، سنهبط في مطار مانغلور صباحاً وأنا لم أشرب الماء، كان يفترض أن نطير مبكراً ونهبط قبل السحور لكن شركة الطيران غيرت وقت الرحلة، لذلك كان هبوطنا في الصباح الباكر في مانغلور، الجو بارد والغيوم تغطي الأرض من تحتنا، بدأ الهبوط واقتحمت الطائرة الغيوم وهي طبقات فوق بعضها البعض، الطيار اضطر للدوران حول عاصفة رعدية وكانت تضيء السماء من بعيد، كلما تجاوزنا طبقة من الغيوم جاءت غيرها، كنت أرى الماء يرسم خطوطاً شفافة على زجاج الطائرة، هذا المنظر كله لا يمكن تفويته، توقفت عن القراءة قبل فترة وألصقت وجهي بالنافذة.


Manglore Airport - مطار مانغلور
خرجنا من الطائرة نسير نحو مطار بنغلور
في مطار مانغلور شبه الخالي كنا الرحلة الثانية التي هبطت ذلك اليوم، المطار هادئ إلا عند مكتب الجوازات واستلام الحقائب، انتهت الإجراءات بسرعة لنخرج ونجد المطر في استقبالنا، وهو ليس مطر كالذي نعرفه في الخليج، بل شيء لا يمكنني وصفه، السماء كانت تهطل كالشلال على كل شيء، كان في استقبالنا ابني داوود أحمد ومحمد، ركبنا السيارة بسرعة لكن كان السماء أعطتني نصيبي من المطر وزيادة.

كنت سعيداً وعلى وجهي ابتسامة عريضة وأنا أرى هذا المطر الذي يحجب الرؤية والسيارة تسير بسرعة كبيرة وكان يقودها محمد بهدوء ويتحدث معي دون أي اكتراث بالجو، الطريق أفضل بكثير مما أتذكره وإن كان يلتف كالأفعى يمنة ويسرة، لكن على الأقل لا حفر إلا القليل، كنت ألتقط مقاطع فيديو لكي أنشرها لاحقاً، لكن هناك أمران علينا فعله قبل كل شيء، الأول البحث عن حمام! وقد وجدنا واحداً تابع لمسجد، الثاني البحث عن مطعم! ووصلنا إلى واحد بعيداً عن الطريق العام في مانغلور وطلبت منهم مسالا دوسا وطلب داوود وجبة وأكلنا في السيارة، لدينا عذر سفر وكنت بحاجة للماء أكثر من الطعام، حقيقة كنت أود إكمال صيامي لكن للأسف توقيت الطائرة لم يكن مناسباً.


Masala Dosa
مسالا دوسا، خبز الأرز مع البطاطا والخضروات في الداخل، من الوجبات الهندية المفضلة لدي
أكملنا الطريق نحو بيت داوود في بلدة بيلتنغادي، لم يكن هناك شيء مختلف في الطريق، الأرض خضراء والأشجار مفعمة بالحياة من المطر ولولا وجود الناس والطرق لكانت كل هذه المنطقة غابات كثيفة، المطر لم يتوقف لحظة، كان يزداد ويقل بين حين وآخر لكن لم يتوقف إلا في الساعة الرابعة عصراً في ذلك اليوم.

عند وصولي كنت متعباً حقاً، مضى ما يقرب من يوم منذ آخر مرة نمت فيها، لذلك طلبت منهم أن أرتاح لكن ألحوا إلا أن آكل شيئاً قبل أن أنام! وهذه مشكلة في الهند أعاني منها في كل مرة أسافر، لا أدري ما الذي يحدث لشهيتي عند السفر، طعامي أقل بكثير مقارنة بما أتناوله في المنزل، أشعر بالشبع بسرعة ويكفيني القليل، لكن هذا لم يمنع أحداً من الإلحاح علي بتناول المزيد.

قبل النوم كنت أفكر "لم أنا أفعل ذلك بنفسي؟" لم أتعب نفسي بالسفر، أريد العودة، أريد أبوظبي وجوها الحار، لن أسافر مرة أخرى ... إلخ، السفر نفسه متعب وأول يوم منه يجعلني أفكر بهذا الأسلوب السلبي، لكن ما إن أنام وأستيقظ لليوم الثاني حتى أجد نفسي نشاطاً، لم كنت أفكر بهذه الأفكار السلبية بالأمس؟ هل أنا مجنون؟! أود أن أبقى هنا حتى آخر يوم من الرحلة.

التعب يؤثر على الإنسان، لذلك أقول لا تقرر شيئاً عندما تكون متعباً وجائعاً، نم قليلاً وتناول الطعام واشرب ما يكفيك من الماء ثم فكر جيداً وقرر، التعب سيؤثر عليك سلبياً.

على أي حال، أطلت الكلام، أراكم في الموضوع اللاحق.

الاثنين، 23 مايو، 2016

أعد اختراع العجلة

weary

في منتديات ونقاشات المبرمجين، سترى مقولة ونصيحة تتكرر: لا تعد اختراع العجلة، والمقصود هنا أن المبرمج ليس عليه أن يكتب كل شيء من الصفر في كل مرة يصنع برنامجاً، يمكنه الاعتماد على مكتبات وبرامج صنعها هو آو آخرون لتوفير الوقت، وهذا أمر منطقي وهي نصيحة تصلح لكثير من الأعمال والوظائف، وفر وقتك بعدم إعادة اختراع الأشياء التي صنعت من قبل.

من ناحية أخرى - ولا بد أن يكون هناك ناحية أخرى - النصيحة أراها تستخدم في غير موضعها وبالتحديد عند طرح موضوعين، أحدهما متكرر والآخر جديد، الموضوع الأول هو لغة البرمجة العربية، والثاني تطوير أنظمة التشغيل، وهذا النقاش حول تطوير أنظمة التشغيل هو ما دفعني لكتابة هذا الموضوع.

عند طرح موضوع لغة البرمجة العربية تظهر اعتراضات كثيرة عليها، لم نعزل أنفسنا؟ كأن مطور أو صاحب فكرة اللغة سيجبر العرب كلهم على استخدام لغته هو فقط، والبعض يعترض على أساس أن اللغة لن يمكنها المنافسة عالمياً كأن كل لغة برمجة عليها المنافسة عالمياً في حلبة صراع في حين أن هناك العشرات من لغات البرمجة التي طورت لأهداف محددة، إما للبحث، أو لتكون أداة لفريق صغير من الناس يستخدمونها لمشاريع خاصة، أو لتعلم تطوير لغات البرمجة، وكثير من هذه اللغات يموت لاحقاً ولا مشكلة في ذلك، التوقف عن تطوير لغة برمجة أو استخدامها لا يعني بالضرورة فشل هذه اللغة، إن كانت اللغة مثلاً طورت كمشروع بحث لدراسة فكرة ما فهي لغة لن يطول عمرها.

تشجيعي لفكرة لغات البرمجة العربية أساسه بسيط: لم لا؟ ما المشكلة إن بدأ عربي بتطوير لغة برمجة عربية كمشروع شخصي؟ هو ينفق وقته في هذا المشروع، ليتعلم، ليحقق هدفاً ما، لندعه يعمل لعل وعسى أن يخرج بفكرة جديدة أو على الأقل سيتعلم من تجربته، لا مشكلة إن لم ينجح المشروع، لا مشكلة إن لم يستخدم اللغة أحد غير مطورها، لا مشكلة إن لم تنافس عالمياً وليس المطلوب منها أن تنافس عالمياً في الأساس، لو طور عربي لغة برمجة عربية فهو لن يضر أحد بفعل ذلك، فلندعه يعمل بدلاً من التثبيط.

والأمر لا يختلف مع أنظمة التشغيل، إن أراد شخص أن يطور نظام تشغيل فلم يتوقع أحدنا أن على صاحب المشروع أن ينافس أنظمة التشغيل الكبيرة؟ واقعياً نعرف أنه لا مجال لشخص واحد أن ينافس لينكس وماك وويندوز، لذلك بدلاً من التثبيط لتكن النصيحة واقعية، والواقع يخبرنا أن هناك أناس مختلفون طوروا أنظمة تشغيل لوحدهم كنوع من المشاريع الجانبية لتعلم البرمجة، للمتعة فقط لأن البرمجة فيها متعة كبيرة، لتعلم كيف يعمل الحاسوب، لتعلم كيف تعمل أنظمة التشغيل، إن بدأ شخص في تطوير نظام تشغيل فلن يضر أحد أنه فعل ذلك، دعوه يعمل، سيتعلم من تجربته على الأقل.

طريقة التفكير الثنائية إما صفر أو واحد لا تصلح للنقاش، إما أن نحقق الأفضل أو لا نجرب، إما أن ننافس عالمياً أو لا نحاول، إما أن نتأكد من نجاح المشروع أو لا نعمل ... إلخ، ألا توجد حالة وسطى هنا؟ تصور معي أن شاباً يحب الهندسة المعمارية دخل إلى منتدى متخصص في هذا المجال وسأل إن كان بإمكانه بناء ناطحة سحاب، الشاب جديد على مجال العمارة وبالتالي لا خبرة لديه، الجواب المفيد له سيكون: نعم لكن تعلم الأساسيات أولاً، أصنع نموذجاً تصورياً صغيراً لبيت صغير، ثم يقدمون له بعض الروابط والعناوين لكتب ومصادر تعليمية، هذا هو الجواب المفيد، أما التثبيط فمن يستفيد منه؟

من أراد تعلم البرمجة فعليه أن يحاكي الآخرين وعليه أن يعيد اختراع العجلة مرة بعد مرة لكي يفهم كيف تعمل البرامج، عليه مثلاً أن يطور آلة حاسبة بسيطة وعملية كتمرين لصنع التطبيقات، لا يهم أن هناك مليون آلة حاسبة متوفرة على كل المنصات، هو يفعل ذلك لكي يتعلم، كذلك الأمر مع تطوير محرر نصي بسيط، أو مدير ملفات أو أي شيء آخر، المبتدأ عليه أن يبدأ من نقطة المحاكاة، وهذا غير متعلق بالمبرمجة فقط بل بكل شيء آخر، لا يمكن تعلم مهارة دون محاكاة الآخرين أولاً والتعلم من تجاربهم.

قد يقول قائل: لنتعلم من البرامج المتوفرة، انظر في نواة لينكس مثلاً لكي تتعلم، وهذا أمر غير عملي حقيقة، إن أردت تعليم شخص السباحة فليس من العملي أن ترميه في وسط المحيط الهادئ، نواة لينكس ليست صغيرة بل هي برنامج كبير معقد طوره أناس كثر في عقدين من الزمن.

قد يقترح شخص آخر نظاماً آخر أصغر وأبسط وشخصياً فعلت ذلك في النقاش حول تطوير أنظمة التشغيل، لكن حتى على صغر هذا النظام يجب على المتعلم أن يبرمج بنفسه، أن يكتب بنفسه البرنامج، هناك فرق بين قراءة المصدر وكتابته، الكتابة تمرين عملي ترسخ الأفكار أكثر مما تفعله القراءة.

تطوير نظام تشغيل لا يجب أبداً أن تكون نتيجته الوصول لنظام تشغيل منافس لما هو موجود اليوم، يمكن أن يكون مشروع بحث، أو وسيلة تعليمية، يمكن أن يكون مشروعاً مؤقتاً يموت لاحقاً كما يحدث للمئات من مشاريع البرمجة على الويب، لا أرى مشكلة في ذلك.

ختاماً هذه قائمة بأنظمة تشغيل طورها هواة، بدأت بشخص واحد وربما الآن يطورها فريق أو حتى ماتت كلياً، ولا مشكلة في ذلك، أضعها كمثال لما يمكن للهواة فعله، بعض هذه الأنظمة ما زال يطور وإن كانت مواقعها لم تجدد منذ سنوات:

الجمعة، 20 مايو، 2016

كيف أشتري الكتب المستعملة؟

حوار حول الكتب وأسعارها قادني لكتابة هذا الموضوع الصغير، أفضل دائماً أن أشتري الكتب جديدة لأنني أتمنى أن يصل شيء من مالي للكاتب كنوع من الدعم، أحياناً بعض المؤلفين يبيعون كتبهم بأنفسهم وهذا يعني أن كل مالي سيصل لهم وفي الغالب هذه الكتب أسعارها جيدة ولا أحتاج أن أشتريها مستعملة.

من ناحية أخرى، أبحث عن كتب أكاديمية بين حين وآخر وأجد أسعارها تتراوح ما بين ٥٠ إلى ٢٠٠ دولار، مثلاً وجدت كتاباً بسعر ٢٠٠ دولار مؤخراً وهذا السعر يكفي لشراء  ما بين ٥ إلى ٨ كتب غير أكاديمية، لذلك عندما أواجه مثل هذه الأسعار لا يكون هناك حل سوى شراء نسخ مستعملة.

الكتب المستعملة قد تكون نظيفة وقريبة من الكتب الجديدة، وقد تكون مستعلمة حقاً وتجد في هوامشها ملاحظات وخطوطاً تحت فقراتها وهذا ما يجعلها مثيرة للاهتمام، شخص ما قرأ هذا الكتب وكتب فيه، قد تساعدك ملاحظاته وخطوطه على الانتباه لما هو مهم.

يمكنك البحث عن الكتب المستعملة في مواقع مختلفة، شخصياً أستخدم هذه المواقع:
  • أمازون: بحسب البائع يمكنك شراء الكتب وشحنها دولياً، لكن أكثرهم لا يفعلون ذلك.
  • أمازون بريطانيا: قد تجد فيه بائعين يقدمون شحناً عالمياً أكثر من الموقع الأمريكي.
  • AbeBooks: الموقع الأساسي الذي أعتمد عليه، وقد اشتريته من العديد من الكتب.
  • eBay: لم أجرب الشراء منه، لكنني أبحث فيه حالياً عن بعض العناوين وقد أشتري منه.
  • Etsy: قد تجد فيه أحياناً بعض الكتب القديمة، لكن لا تعتمد عليه، هو ليس موقعاً للكتب.
أما عن "كيف" أشتري الكتب المستعملة فليس هناك الكثير لأقوله، أبحث عن الكتاب في مصادر مختلفة وأحاول أجد أرخص سعر + أرخص تكلفة توصيل مع الانتباه لحالة الكتاب، أحياناً أجد كتاباً لكن بسعر مرتفع وذلك لندرته، فأنتظر وأحياناً أنتظر أشهراً ثم اجد من يطرح الكتاب بسعر أرخص بكثير فأشتريه، وهذا ما يشبه صيد الكتب! صدقني عملية الشراء والبحث وانتظار الكتاب أكثر متعة من الحصول على الكتاب وقراءته! أعترف بذلك.

هذا كل شيء حقيقة، ليس لدي الكثير لأقوله هنا.

الجمعة، 13 مايو، 2016

30 عاماً وما زالت كيو بيسك رائعة



سأعترف من البداية: قولي بأن كيو بيسك ما زالت رائعة سببه في الأساس ذكريات التسعينات، أي شيء من هذه الفترة جميل ورائع ولا يهمني انتقاد أي شخص لهذا العقد، لكن لا بد من الواقعية عند الحديث عن البرمجة وخصوصاً عن بيئة برمجة مضى عليها ما يقرب من ثلاثين عاماً، لذلك لا تخف، ذكرياتي الجميلة لن تؤثر على باقي الموضوع ... ربما!

كتب نيكولاس وهو أب ومبرمج عن تجربته في تعليم ابنه البرمجة من خلال بيئة البرمجة كويك بسيك، أو لأكون دقيقاً أكثر، كيو بيسك (QBasic)، القصة تبدأ من لعبة برمجها الأب وعرضها على ابنه لاحقاً، الابن سأله عن كيفية صنعها وفهم ما الذي تعنيه البرمجة وتحمس لتعلمها، الأب بحث عن حلول مختلفة لتعليم ابنه فلم يجد أنسب من كيو بيسك، بيئة برمجة صنعت قبل ما يقرب من ٣٠ عاماً.

إن كنت تملك حاسوباً في التسعينات وكان لديك فضول كاف للبحث في الحاسوب فأنت في الغالب تعرف ما هي بيئة كيو بيسك، وربما جربت صنع شيء فيها، وإن كنت محظوظاً بوجود من يعرفها ويعلمك أو وجدت كتاباً يعلمها فربما صنعت برنامجاً متقدماً أو لعبة فيديو.

لم ونحن اليوم نستطيع الوصول للعشرات من الخيارات لتعليم البرمجة للأطفال؛ نجد من يعود للغة برمجة قديمة؟ لغة كيو بيسك من ناحية النحو سيئة في رأيي، هناك اليوم لغات كثيرة وأنيقة وسهلة الفهم، حتى بيئة كيو بيسك نفسها قديمة وهناك اليوم محررات نصية قوية وبيئات برمجة في الويب تتفوق عليها بمراحل، فما الذي يجعل كيو بيسك مفضلة للبعض حتى اليوم؟

فكرت بالأمر ووجدت أن الإجابة هي البساطة، في البداية كيو بيسك هي بيئة برمجة ومحرر ومشغل برامج كلها وضعت في برنامج واحد، وهي متوفرة في كل حواسيب ويندوز في التسعينات وبالتالي يمكن الوصول لها بسهولة، صحيح أن مايكروسوفت لم تعلن عن هذه اللغة أو تتحدث عنها لكنها متوفرة كبعض البرامج المجانية التي كانت مايكروسوفت تضعها في النظام دون أن تتحدث عنها، يجب أن تبحث للوصول لها وهذا ما فعله أي مهووس بالحاسوب في ذلك الوقت.

كيو بيسك تأتي مع كتيب برمجة، يمكنك البحث فيه لتعلم كيفية البرمجة باللغة، وفي التسعينات وما قبلها كانت المجلات تنشر برامج لهذه اللغة، عليك أن تكتبها بنفسك ثم تشغلها لترى النتيجة، وكانت هذه وسيلة تعليمية للكثيرين، وكانت هناك كتب تعليمية كذلك، والآن كثير من هذه المصادر موجودة في الشبكة اليوم، شكراً لجهود كثير من هواة التقنية الذين يعملون على أرشفة كتب ومجلات الحاسوب القديمة.

كيو بيسك أيضاً بيئة برمجة تدعم الصوتيات والرسومات دون حاجة لمكتبات خارجية، يمكنك برمجة لعبة كاملة في هذه البيئة دون الاستعانة بأي برنامج آخر، يمكنك بسهولة رسم أشكال هندسية بسيطة بأوامر بسيطة، جرب هذا اليوم مع لغات كثيرة، كثير من لغات اليوم صممت لتكون لغات برمجة عامة ولصنع أي شيء أنت بحاجة لمكتبات مختلفة، وبالتالي أنت لا تتعلم اللغة فقط بل كيفية استخدام المكتبات وأطر العمل التي تحتاجها.

ثم هناك واجهة الاستخدام، إمكانية كتابة برنامج ثم بضغطة زر تشغيله ثم العودة إلى الكتابة والتحرير ثم تشغيل البرنامج مرة أخرى، هذه الدائرة من البرمجة والتجربة كانت مصدر إدمان للبقاء أمام الحاسوب، في حين أن طلاباً في الجامعات يدرسون لغات برمجة مثل سي بلس بلس عليهم فعل الكثير قبل رؤية برامجهم تعمل، أما في كيو بيسك فبيئة البرمجة هي محرر نصي والواجهة نصية بسيطة، القوائم بسيطة ويمكن فهمها بسهولة، مؤسف أن البعض يرى الواجهات النصية المماثلة بنظرة سلبية، يرونها صعبة أو تقنية أكثر من اللازم في حين أنها سهلة الفهم، هي مجرد كلمات تقرأ.

اليوم أجد صعوبة في استخدام بعض تطبيقات آيفون لأنها تعتمد كلياً على الإيقونات، ما الذي تعنيه أي إيقونة؟ لا أدري، علي أن أضغط وأجرب لكي أفهم، وفي كل مرة أشغل البرنامج علي تكرار تعلم الواجهة إن لم أكن أشغل البرنامج كل يوم.

كيو بيسك قلصت المسافة بين البرمجة والنتيجة وفعلت ذلك بواجهة سهلة وبيئة برمجة متكاملة لا يزيد حجمها عن ميغابايت! يمكن للغات اليوم أن تعطي المتعلم قوة أكبر بكثير من كيو بيسك، لكن هل ستعطيه واجهة سهلة؟ أعترف بأنني لا أعرف الإجابة، علي أن أجرب بنفسي لأرى.

 روابط:
هل جربت تعليم طفل كيف يبرمج؟ كيف فعلت ذلك؟ ما هي مقترحاتك لبيئات برمجة حديثة؟

الجمعة، 6 مايو، 2016

الإعلانات ومحفظة المتصفح

هذا موضوع سريع عن الإعلانات في الشبكة، وهو موضوع مهم يستحق أن أبحث فيه أكثر وأتعمق، لكن الآن كل ما لدي هي أفكار سريعة أنثرها في هذا الموضوع.

الإعلانات في الشبكة موضوع لن يتوقف النقاش حوله بين المؤيدين والمعارضين ومن يقفون موقفاً وسطاً بين الطرفين، لكن لدي شعور أن من يقف في الوسط يتجه ببطء نحو تأييد رفض الإعلانات لأسباب كثيرة، لأن الإعلانات لم تعد مجرد إعلانات، هي ليست مجرد مساحة صغيرة من الموقع تعرض لك محتوى إعلاني، أصبحت الإعلانات اليوم شبكة عميقة من الروابط والبيانات وتنوعت أساليب عرض الإعلانات.

شخصياً بدأت منع الإعلانات منذ بدأت استخدام فايرفوكس عندما كان اسمه فينيكس، فعلت ذلك لأن الشبكة مع الإعلانات بطيئة ولا تطاق، المتصفح يتجمد أحياناً وينهار، جافا يمكنها فعل ذلك، كذلك الإعلانات التي تستخدم تقنية فلاش وبعضها كان بإمكانه رفع مستوى استخدام المعالج إلى ١٠٠٪ وبالتالي لا يمكن فعل أي شيء سوى إغلاق الحاسوب نفسه، ثم هناك الإعلانات التي تستخدم الصوت والصور المتحركة واليوم لدينا إعلانات الفيديو، لدينا كذلك إعلانات ما إن تضع عليها مؤشر الفأرة حتى تأخذ مساحة المتصفح بالكامل لكي يصبح إعلاناً.

كل هذا وغيره من الأساليب المزعجة كانت تضر بتجربة استخدام الويب، بمجرد وضع مانع الإعلانات توقفت كل هذه المشاكل، لكن الآن الأمر أبعد من ذلك، شبكات الإعلانات تتابع بيانات المستخدمين عبر الشبكة، هذه البيانات لوحدها قد تصبح مشكلة٢

نقطة ثانية، شبكات الإعلانات استخدمت وستستخدم لنشر البرامج الخبيثة، منع الإعلانات في هذه الحالة ليس فقط مجرد تجنب للإزعاج بل هو تجنب للمشاكل الأمنية.

بالطبع سيقول البعض بأن الشبكة تعتمد على الإعلانات وصناعة المحتوى لا يمكنها أن تستمر دون إعلانات، وهنا أقول بأن اللوم يمكنه أن يرمى على شبكات الإعلانات نفسها، لو أنها اكتفت بعرض الإعلانات دون المساس بتجربة الاستخدام أو تعريض الناس للبرامج الخبيثة لكان من السهل تبرير الإعلانات لكن الآن؟ أرى منع الإعلانات ليس مجرد خيار بل هو واجب لحماية نفسك.

سوق إعلانات الشبكة سينهار في وقت ما، أو سيصل إلى مرحلة يصبح فيها عديم الفائدة، لأن عائد الإعلانات ينخفض ويصبح أجزاء من الدولار وبالتالي ستحتاج للآلاف من النقرات على الإعلانات لكي تحصل على مبلغ يغطي تكاليف الموقع، ولكي تحصل على عائد أكبر أنت بحاجة لحيل مختلفة لكي تجبر الزائر على رؤية إعلانات أكثر، أو بحاجة لصناعة محتوى جيد وعال الجودة ودون انقطاع وهذا ليس سهلاً.

تبقى حقيقة أن أصحاب المواقع يريدون عائداً ... أو لنقل بعض أصحاب المواقع لأن هناك من يعمل في وظيفة والموقع مجرد مشروع جانبي، هل تذكرون فترة كانت فيها الويب للهواة؟ نحن بحاجة لإعادة روح الهواة إلى الويب، ليس كل موقع يحتاج لدخل ليستمر.

على أي حال، كيف يمكن أن تحصل على دخل في الشبكة وبدون إعلانات؟ هناك أفكار عديدة لكنها ليست سهلة، ميزة الإعلانات أنها تدر دخلاً دون أن تفعل الكثير، لكن بدون الإعلانات ما الذي يمكن فعله؟ لكي تحصل على دخل لا بد أن تصنع شيئاً له قيمة ويمكنك بيعه للناس والأهم أن يرغب الناس في شراءه.

اصنع منتجات رقمية، المنتج الرقمي لا يحتاج لشحن، يمكن شراءه وتسليمه فوراً، تصنعه مرة واحدة وتبيعه آلاف المرات دون أي مشكلة، المنتجات الرقمية يمكن أن تكون:
  • كتب
  • دورات تحوي كتبا ومقاطع فيديو وتمارين عملية.
  • دروس مرئية لأي موضوع.
  • مطبوعات، منتجات يشتريها الناس لطباعتها وهذا يشمل الكثير من الأشياء.
  • ألعاب فيديو وتطبيقات، تحتاج لخبرة في البرمجة.
هذه مجرد أمثلة، إن صنعت شيئاً لم يفكر به أحد قبلك وله قيمة سيشتريه الناس.

اصنع منتجات غير رقمية، الشبكة أتاحت للناس البيع مباشرة لبعضهم البعض وفتحت سوقاً عالمية للجميع، عليك الحديث بالإنجليزية لتصل إلى أكبر عدد ممكن من الناس حول العالم، يمكنك بالطبع أن تبيع للعرب كذلك لكن السوق العالمي أكبر فلا تكتفي بالسوق العربي، وما يمكنك صنعه لا حد له، من الألعاب إلى المجوهرات وحتى الأثاث والصناعات التقليدية وغير التقليدية، أي شيء يمكنك صنعه في الغالب يمكنك بيعه.

أصنع محتوى مجاني مقابل دعم من المعجبين، هذا يتطلب منك العمل بجد ولوقت طويل لكي تصنع قاعدة من المعجبين أو المتابعين لك، ويمكنك بعد ذلك أن تطلب دعمهم من خلال التبرعات أو خدمات مثل موقع Patreon، ويمكنك في نفس الوقت صنع منتجات رقمية وغير رقمية وبيعها على المتابعين وغيرهم، كل هذا يحتاج لعمل جاد وجهد كبير.

كل ما ذكرته هنا هي أمثلة سريعة، ربما علي كتابة موضوع منفصل عن أفكار أخرى للحصول على دخل من الشبكة.

أين محفظة المتصفح؟

هذه فكرة أستغرب عدم وجودها، تصور أنك تستطيع شحن متصفحك بمبلغ مالي ومن هذا المبلغ يمكنك التبرع مباشرة لأي موقع يعجبك محتواه بضغطة زر، أو مثلاً تخبر المتصفح بأن يتبرع مقابل كل صفحة لهذا الموقع والتبرع يجب أن يكون صغيراً حقاً، فلا يذهب المبلغ كله لمجرد تصفح ٥ صفحات مثلاً!

هذه الفكرة تختلف في كونك تتبرع مباشرة لصاحب الموقع بدلاً من أن يكون هناك طرف ثالث مثل غوغل أو شبكات الإعلانات التي تأخذ جزء من الأرباح وتعطي صاحب الموقع الباقي، ويمكنك التحكم بكمية التبرعات ولمن ترسلها، الفكرة هذه يجب أن تكون لا مركزية وهذا ما يمكن فعله مع عملة بت كوين، لكنها عملية افتراضية ويفترض أن يكون هناك حل مماثل للعملات التي نستخدمها كل يوم.

جزء كبير من المشكلة الدعم المالي تكمن في الواجهة، إذا جعلت الدعم المالي عبارة عن ضغطة زر فقط ستجد الناس يضغطون هذا الزر أكثر وأكثر، لكن إن جعلته معقداً فلن يستخدمه إلا القليل منهم، ولأنه لا يوجد حل سهل حقاً الآن فالحل الأسهل هو الإعلانات لأنها لا تتطلب من المستخدم فعل شيء.